أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

17

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فقال اللّه : قل : للّه ، ذكره الجرجاني . فعلى هذا قوله : قُلْ لِلَّهِ جواب للسؤال المضمر الصادر من جهة الكفار ، وهذا بعيد ، لأنهم لم يكونوا يشكّون في أنه للّه ، وإنما هذا سؤال تبكيت وتوبيخ ولو أجابوا لم يسعهم أن يجيبوا إلا بذلك . وقوله : لِلَّهِ خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو أو ذلك للّه . قوله : كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ أي : قضى وأوجب إيجاب تفضل ، لا أنه مستحق عليه تعالى وقيل : معناه القسم ، وعلى هذا فقوله : « لَيَجْمَعَنَّكُمْ » جوابه ، لما ضمن معنى القسم ولى هذا فلا يوقف على قوله : « الرَّحْمَةَ » . وقال الزجاج : إنّ الجملة من قوله : « لَيَجْمَعَنَّكُمْ » في محل نصب على أنها بدل من « الرَّحْمَةَ » ، لأنه فسر قوله : « لَيَجْمَعَنَّكُمْ » بأنه أمهلكم وأمد لكم في العمر والرزق مع كفركم ، فهو تفسير للرحمة . « وقد ذكر الفراء هذين الوجهين ، أعني : أن الجملة تمت عند قوله « الرَّحْمَةَ » ، أو أنّ « لَيَجْمَعَنَّكُمْ » بدل منها ، فقال : إن شئت جعلت الرحمة غاية الكلام ، ثم استأنفت بعدها « لَيَجْمَعَنَّكُمْ » ، وإن شئت جعلتها في موضع نصب ، كما قال : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ « 1 » . قلت : واستشهاده بهذه الآية حسن جدا . وردّ ابن عطية هذا بأنه يلزم دخول نون التوكيد في الإيجاب ، قال : « وإنما تدخل على الأمر والنهي ، وجواب القسم . ورد الشيخ « 2 » حصر ابن عطية بورود نون التوكيد فيما ذكر . وهو صحيح . وردّ كون « لَيَجْمَعَنَّكُمْ » بدلا من « الرَّحْمَةَ » بوجه آخر ، وهو أن « لَيَجْمَعَنَّكُمْ » جواب قسم ، وجملة الجواب وحدها لا موضع لها من الإعراب ، إنما يحكم على موضع جملتي القسم والجواب بمحل الإعراب . قلت : وقد خلط مكي المذهبين ، وجعلهما مذهبا واحدا ، فقال : « لَيَجْمَعَنَّكُمْ » في موضع نصب على البدل من « الرَّحْمَةَ » ، واللام لام قسم ، فبي جواب « كَتَبَ » لأنه بمعنى أوجب ذلك على نفسه ، ففيه معنى القسم . وقد يظهر جواب عما أورده الشيخ على غير مكي ، وذلك أنهم جعلوا « لَيَجْمَعَنَّكُمْ » بدلا من « الرَّحْمَةَ » ، يعني : هي وقسمها المحذوف ، واستغنوا عن ذكر القسم بها ، لأنها مذكورة في اللفظ ، فكأنهم قالوا : وجملة القسم في محل نصب بدلا من « الرَّحْمَةَ » فكما يقولون : جملة القسم ، ويستغنون به عن ذكرهم جملة الجواب ، كذلك يستغنون بالجواب عن ذكر القسم لا سيما وهو غير مذكور . وأما مكي فلا يظهر هذا جوابا له ، لأنه نصّ على أنه جواب ل « كَتَبَ » فمن حيث جعله جوابا ل « كَتَبَ » لا محل له ، ومن حيث جعله بدلا كان محله النصب فتنافيا . والذي ينبغي في هذه الآية أن يكون الوقف عند قوله « الرَّحْمَةَ » . وقوله : لَيَجْمَعَنَّكُمْ جواب قسم محذوف ، أي : واللّه ليجمعنّكم ، والجملة القسمية لا تعلق لها بما قبلها من حيث الإعراب ، وإنّ تعلقت به من حيث المعنى ، و « إِلى » على بابها ، أي ليجمعنّكم منتهين إلى يوم القيامة . وقيل : هي بمعنى اللام كقوله : إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ « 3 » . وقيل بمعنى « في » أي : ليجمعنّكم في يوم القيامة . وقيل : هي زائدة ، أي : ليجمعنّكم يوم القيامة ، وقد يشهد له قراءة من قرأ : « تَهْوِي إِلَيْهِمْ » بفتح الواو ، إلّا أنه لا ضرورة هنا إلى ذلك . قوله : لا رَيْبَ فِيهِ قد تقدم نظيره أول البقرة « 4 » . والجملة حال من « يَوْمِ » ، والضمير في « فِيهِ » يعود على « اليوم » ، وقيل : يعود على الجمع المدلول عليه بالفعل لأنه رد على منكري الحشر . قوله : « الَّذِينَ خَسِرُوا » فيه ستة أوجه :

--> ( 1 ) آية ( 54 ) . ( 2 ) انظر البحر ( 4 / 82 ) . ( 3 ) سورة آل عمران ، آية ( 9 ) . ( 4 ) انظر آية رقم ( 2 ) .